الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

279

نفحات القرآن

وقد قيل للأماني أماني لأنّ الإنسان يقدرها ويصورها في ذهنه . وعلى أيّة حال ، فإنّ المؤمنين عندما يجتازون المحشر نحو الجنّة بسرعة في ظل الإيمان يصرخ المنافقون والمنافقات : « أُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُم » ، فيجيبهم المؤمنون : « ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ » الدنيا « فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَينَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الْرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ » . ( الحديد / 13 ) وعندها يصرخ المنافقون : « أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ » في الدنيا في مجتمع واحد وقد كنا في بعض الطريق معكم ؟ فما الذي حصل حيث انفصلتم عنا واتجهتم نحو رحمة اللَّه وتركتمونا في العذاب ؟ فيجيبهم المؤمنون « بلى » كنا معكم في مجتمع واحد ، في الزقاق وفي السوق ، وفي السفر والحضر ، وكنا جاراً لكم ، بل عشنا في بيت واحد ، ولكنكم أخطأتم خمسة أخطاء فاحشة ، الأوّل : أنّكم سلكتم طريق الكفر والنفاق ففتنتم أنفسكم : « وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ » . وثانياً : أنّكم « تَرَبَّصْتُمْ » وترصدتم فشل المسلمين ، وموت الرسول صلى الله عليه وآله ، وتحججتم في كل عمل خير . وثالثاً : « وَارْتَبْتُم » وترددتم خاصة في مسألة المعاد ، وحقانية الإسلام . ورابعاً : « وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ » التي نسجت حجاباً ضخماً على عقولكم وأفكاركم « حَتّى جاءَ أَمرُ اللَّهِ » . وخامساً : « وَغَرّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » أي غركم الشيطان بعفو اللَّه ووعدكم بألّا يَنالَكُمْ عذابه . نعم ، إنّ هذه العوامل معاً أوجدت المنظر الذي صوره القرآن لنا ، وهي التي سببت خلق سورٍ عازل بين المؤمنين والمنافقين . إنّ شاهد حديثنا هو الجملة الرابعة ، حيث جاء فيها « وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِىُّ » ، الأماني قد تصل إلى درجة بحيث تشغل فكر الإنسان بالكامل ، فيغفل عن كلّ شيء ، ويظل في